فخر الدين الرازي

471

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

ثم قال تعالى : لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ والمعنى أنه سبحانه مالك أمرها وحافظها وهو من باب الكناية ، لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذي بيده مقاليدها ، ومنه قولهم : فلان ألقيت مقاليد الملك إليه وهي المفاتيح ، قال صاحب « الكشاف » : ولا واحد لها من لفظها ، وقيل مقليد ومقاليد ، وقيل مقلاد ومقاليد مثل مفتاح ومفاتيح ، وقيل إقليد وأقاليد ، قال صاحب « الكشاف » : والكلمة أصلها فارسية ، إلا أن القوم لما عربوها صارت عربية . واعلم أن الكلام في تفسير قوله لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قريب من الكلام في قوله تعالى : وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ [ الأنعام : 59 ] وقد سبق الاستقصاء هناك ، قيل سأل عثمان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم عن تفسير قوله لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فقال : « يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك ، تفسيرها لا إله إلا اللّه واللّه أكبر ، سبحان اللّه وبحمده ، أستغفر اللّه ولا حول ولا قوة إلا باللّه ، هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير ، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير » هكذا نقله صاحب « الكشاف » . ثم قال تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ وفيه مسألتان : المسألة الأولى : صريح الآية يقتضي أنه لا خاسر إلا كافر ، وهذا يدل على أن كل من لم يكن كافرا فإنه لا بد وأن يحصل له حظ من رحمة اللّه . المسألة الثانية : أورد صاحب « الكشاف » سؤالا ، وهو أنه بم اتصل قوله وَالَّذِينَ كَفَرُوا ؟ وأجاب عنه بأنه اتصل بقوله تعالى : وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا [ الزمر : 61 ] أي ينجي اللّه المتقين بمفازتهم وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ واعترض ما بينهما أنه خالق للأشياء كلها ، وأن له مقاليد السماوات والأرض . وأقول هذا عندي ضعيف من وجهين الأول : أن وقوع الفاصل الكبير بين المعطوف والمعطوف عليه بعيد الثاني : أن قوله وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ جملة فعلية ، وقوله وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ جملة اسمية ، وعطف الجملة الاسمية على الجملة الفعلية لا يجوز ، بل الأقرب عندي أن يقال إنه لما وصف اللّه تعالى نفسه بالصفات الإلهية والجلالية ، وهو كونه خالقا للأشياء كلها ، وكونه مالكا لمقاليد السماوات والأرض بأسرها ، قال بعده : والذين كفروا بهذه الآيات الظاهرة الباهرة أولئك هم الخاسرون . ثم قال تعالى : قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرأ ابن عامر تأمرونني بنونين ساكنة الياء وكذلك هي في مصاحف الشام ، قال الواحدي وهو الأصل ، وقرأ ابن كثير تأمروني بنون مشددة على إسكان الأولى وإدغامها في الثانية ، وقرأ نافع تأمروني بنون واحدة خفيفة ، على حذف إحدى النونين والباقون بنون واحدة مكسورة مشددة . المسألة الثانية : أَ فَغَيْرَ اللَّهِ منصوب بأعبد وتأمروني اعتراض ، ومعناه : أفغير اللّه أعبد بأمركم ؟ وذلك حين قال له المشركون أسلم ببعض آلهتنا ونؤمن بإلهك ، وأقول نظير هذه الآية ، قوله تعالى : قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الأنعام : 14 ] وقد ذكرنا في تلك الآية وجه الحكمة في تقديم الفعل . المسألة الثالثة : إنما وصفهم بالجهل لأنه تقدم وصف الإله بكونه خالقا للأشياء وبكونه مالكا لمقاليد السماوات والأرض ، وظاهر كون هذه الأصنام جمادات أنها لا تضر ولا تنفع ، ومن أعرض عن عبادة الإله